|

"هل تريدني ان اشرح لك في خمس دقائق ما تعلمته في خمسة عشرة سنة" ترددت
كلمات ظل صداها يتردد في ذهن والد الطفلة فاطمة و هو يخرج من المستشفى و بصوت
حزين يقول:" انا أثق به كطبيب، و لكن من حقي ان أفهم حالة ابنتي و الخطوات التي ستتخذ بشأنها...اريد ان اطمئن
.."
هذه الحالة هي واحدة من حالات كثيرة ..يقيم فيها الطبيب حاجز العلم امام المريض و عائلته.
هذه الثقافة التي تقوم على الشرح الوافي للمريض عن حالته ، و اعتباره شريكاً في خطة العلاج، ما زالت في بداياتها للأسف في مجتمعنا. حتى بات الطبيب "المهم" هو من لا يجيب الا بالاشارة بسبب" كثرة انشغاله" .
عندها نسأل عن سبب هذا الواقع . فاننا قد نتوجه الى:
- هل الأطباء هم طبقة مغلقة اكادمياً على نفسها؟.
- هل أن المريض لا يبادر الى الاستيضاح الوافي عن صحته؟ و يكتفي بالمعلومات السطحية ؟.
- هل يوجد مشكلة او صعوبة في ايجاد اسلوب مناسب لتخطي الحواجز و الفوارق العلمية ؟ .
الحقيقة أن السبب يعود الى الثلاثة معاً، مما اوجد هذا الشرخ بين الطبيب و المريض بشكل عام كما في حالة فاطمة ! .
بالامس كان جسد المريض يعتبر الصندوق المغلق ، الذي لا يفهم اسراره الا الطبيب ، يدخله بالدواء او المبضع و يخرج منه محتفظاً بالأسرار .. شارحاً للمريض بعض مفاهيم عامة حول صحته ، ساهمت مع الزمن في خلق ثقافة طبية متدنية للمريض.
من هنا برزت المصطلحات الطبية الشعبية : عصبي بالدم..عصبي على المعدة.. عصبي ( لكل امراض المفاصل!) مرض بالمصران ، امراض النشاف ( و ما اكثرها !) اضافة الى الامراض التي يضرب فيها الكولون على الرأس !! انفجار في المعدة او الاسباب التي تعود الى "فيروس في الهواء" و غيرها من الامثلة التي لو بحثت كل مراجع الطب لا تجدها ؛ بحيث ان المتخرج من كلية الطب حديثاً و لدى وصوله الى لبنان ، عليه ان يتدرّب على هذه المصطلحات ، حيث انه اما ان يغيّر فجأة و هذا محال، او يتماشى مع الواقع و يردد الالفاظ نفسها ، ليتذكر يوماً ما انه خريج كلية الطب.
مثل هذا الواقع كان له انعكاسات سلبية :
1- انتشار الثقافة الصحية المتدنية ، وحصر المصطلحات في الجامعات. وانتشار المصطلحات الشعبية بين الاطباء و المريض.
2- ابتعاد المريض عن معرفة حقيقة وضعه الصحي ، و الاكتفاء بالتشخيصات العامة كما اشرنا ، مما ابعده عن معرفته بوضعه الصحي على الأقل ليشرحه في الاماكن الصحية الاخرى لدى زيارته.
3- ازدياد الأخطاء الطبية المبنية على جهل المريض من جهة ، و سوء التواصل معه من قبل الطبيب ، و قلة مشاركته الايجابية في خطة العلاج ، خاصة المزمنة منها.
هذا السبب الاخير ، كان من اهم الاسباب التي ادت الى اعتماد تثقيف المريض و اسرته ، كشرط اساس لنجاح المستشفيات والمراكز الصحية في وزارات الصحة في العالم ، واعتباره شريكاً في العلاج.
اذاً ، مفهوم شراكة المريض في العمل الصحي ، ولا سيما في ما يعنيه هو بالذات ، وحقه و لو باللغة المبسطة الواضحة السليمة ، في فهم كل ما يحصل في وضعه الصحي ، ليستطيع ان يكون ايجابياً في الوقاية من المضاعفات، والتعايش مع الحالة المزمنة سواء هو او اسرته.
و ماذا عنا نحن؟
للأسف ، نحن و بنسبة كبيرة ، ما زلنا نمثل كهنة المعبد الذين يحافظون على اسرار الطقوس ، حيث لا يفهم العابد شيئاً منها لأنها حكراً على طبقة الكهنة .
متى تفتح الأبواب على المدينة المحرمة هذه ؟!
الى ذلك الوقت، يجب ان يعلم الطبيب ، ان تلك التعاويذ لدى كهنة المعابد الوثنية لا تضرالعابدين اذا لم يلتزموا بها، و لكن في عالم الصحة الامر مختلف تماما، فان العابد هنا ، او المريض عليه ان يفهم عن الدواء او المبضع الذي يخط في جسده ، فانه يجب ان يعلم انه هو الذي ترمى فيه الحبوب و في جسده يعمل المبضع ، فمتى يسأل و يبادر دون احساس بالدونية العلمية ؟، ومن ناحية اخرى اصبح لزاما على بعض زملائنا الاطباء ان يفتحوا باب الاستفسارات للمريض و اعطائه الوقت الكافي، و ان يشرحوا له باسلوب مفيد وعلمي عن واقعهم الصحي وان يبتعدوا عن المصطلحات ، التي تزيد في جهل المريض لحالته ، وان يساعدوه على السؤال بكل حرية.
أيها المريض اسأل و لا تخف .. انه ببساطة جسدك و حياتك أنت او ذلك العزيز من حولك!
د. محمد شومان |