السبت, 19 مايو 2012  الموافق:27. جمادى الاخرة 1433

الاحتراق النفسي المستمر في العمل طباعة إرسال إلى صديق


محمود سليم – إداري في مديرية الجنوب

إن طبيعة الحياة التي يحياها الفرد في عالم اليوم بكل ما تكتظ به من مشكلات، ومتطلبات تفرض عليه الكثير من الضغوط، التي يجب أن يصمد في مواجهتها بالطرق والأساليب الإيجابية، التي تساعده على التخلص منها باستمرار، حتى لا تتراكم عليه تلك المشكلات، وتتزايد عليه الضغوط، والتي قد تؤدى به إلى حالةٍ من الإنهاك أو الاحتراق النفسي.

ويعدّ الاحتراق النفسي من الظواهر التي جذبت اهتمام الباحثين على مدى الثلاثين عاماً الماضية، حيث تناولت أبحاثهم الاحتراق النفسي

بوصفه ناتجًا عن الضغوط المهنية، خاصةً في أوساط المهن التي يكون فيها التعامل مع الجمهور، والتي عادةً تتطلب مواجهة مباشرة او استيعاباً دقيقاً لآراء واتجاهات الناس، والتي تعد محكاً أساسياً في تقييم أعمال العاملين في تلك المهن.

 


تعريف الاحتراق النفسي:

وردت تعاريف كثيرة لمصطلح الاحتراق النفسي في الأبحاث والدراسات التي تناولت هذه الظاهرة، ولكن بالرغم من ماهية الاختلاف بين هذه التعريفات، إلا أن هناك نقاطاً أجمع عليها معظم الباحثين وهي أن الاحتراق النفسي عبارة عن خبرة نفسية سلبية داخلية تتضمن المشاعر والاتجاهات والدوافع، وتشمل استجابات سلبية وغير ملائمة نحو الغير ونحو الذات ومفهومها ، وان الاحتراق يحدث على المستوى الفردي.

ومن التعاريف الكثيرة التي تناولت موضوع الاحتراق النفسي نورد منها:

- أنها حالة من الإنهاك الناتج عن الاختلاف والتفاوت بين أعباء ومتطلبات العمل، وبين قدرات وإمكانات وتطلعات العامل.

- أنها التغيرات السلبية في العلاقات والاتجاهات نحو العمل ونحو الآخرين، بسبب ضغوط العمل الزائدة ، مما ينعكس بشكل رئيسي بفقدان الاهتمام بالأشخاص الذين يتلقون الخدمات والتعامل معهم بشكل آلي.

- أنها حالة نفسية تتميز بمجموعة من الصفات السيئة مثل: التوتر، وعدم الاستقرار النفسي، والميل للعزلة، وأيضاً الاتجاهات السلبية نحو العمل والزملاء.

- أنها إرهاق انفعالي وجسمي وسخط على الذات وعلى الآخرين، وعلى العمل، وفقدان الحماس له وركود وبلادة وانخفاض في مستوى الإنتاجية.

- أنها حالة من الإجهاد البدني والذهني والعصبي والعاطفي، وهي حالة تحدث نتيجة للعمل مع الناس والتعامل معهم لفترات طويلة، وفي أوضاع تتطلب بذل مجهودات عاطفية مضاعفة.

أسباب الاحتراق النفسي:
توجد نظريات عديدة تدور حول أسباب ومصادر الاحتراق النفسي، وهذه النظريات تركز على ثلاثة مستويات:

1- المستوى الفردي أو الشخصي.

2- المستوى التنظيمي.

3- المستوى الاجتماعي.

مع أن الأسباب الفردية والاجتماعية لها دور هام، إلا أنها تساهم بقدر أقل من العوامل التنظيمية (بيئة العمل) في ظهور الاحتراق النفسي عند المهنيين.

ونتناول فيما يلي كل مستوى من المستويات السابقة بشيء من التفصيل على النحو التالي:

1- المستوى الفردي أو الشخصي:

هناك شبه إجماع من علماء النفس والاجتماع ، الذين تناولوا موضوع الاحتراق النفسي المستمر في العمل، بأن المخلصين والملتزمين هم الفئة الأكثر عرضةً للاحتراق، وكذلك الذين لديهم الرغبة القوية للنجاح المهني، ومن أسباب ذلك بعض الأسباب الشخصية والفردية وهي كالتالي:

- ‌مدى واقعية الفرد في توقعاته أو آماله، فزيادة عدم الواقعية تحمل في طياتها مخاطر الوهم والاحتراق.

- ‌مدى الإشباع الفردي خارج نطاق العمل، فزيادة حصرالاهتمام بالعمل تزيد من احتمال الاحتراق.

- ‌الأهداف المهنية، حيث أن المصلحين الاجتماعيين هم أكثر عرضة لهذه الظاهرة.

- ‌مهارات التكيف العامة.

- ‌النجاح السابق في مهن ذات تحدٍ لقدرات الفرد.

- ‌درجة تقييم الفرد لنفسه.

- ‌الوعي والتبصر بمشكلة الاحتراق النفسي.

2- المستوى الاجتماعي:
هناك عدداً من العوامل الاجتماعية التي تعتبر مصادراً للاحتراق النفسي منها:

- التغيرات الاجتماعية الاقتصادية التي حدثت بالمجتمع، وما ترتب عليها من مشكلات قد تؤدي إلى هذه الظاهرة.

- طبيعة التطور الاجتماعي والثقافي والحضاري في المجتمع، التي تساعد على إيجاد بعض المؤسسات الهامشية التي لا تلقى دعماً جيداً من المجتمع، فيصبح العاملون بها أكثر عرضة للاحتراق النفسي.

3- المستوى التنظيمي:

على عكس المستويين الشخصي والاجتماعي ، فإن الأسباب المرتبطة بالمستوى التنظيمي أو الإداري لها علاقة مباشرة بظهور هذه المشكلة، وقد تم التوصل إلى ثلاث افتراضات:

الفرضية الأولى:

إنّ فقدان الإمكانات والكفاءة من أهم أسباب الضغط والقلق، وأن استمرار ذلك يؤدي إلى ما يسمى بالعجز المتعلم، حيث يشعر الفرد بأنه عاجزعن عمل أي شيء يحسن وضعه، وهذه الظاهرة تشبه إلى حدٍ كبير ظاهرة الاحتراق النفسي، حيث يفتقر الفرد إلى المصادر والنفوذ لحل المشاكل التي تواجهه، مما يسبب له الشعور بالضغط، وفي حالة استمراره يحدث الاحتراق.

الفرضية الثانية:

إنّ نقص الإثارة للفرد، تؤدي إلى نفس الآثار السلبية التي تترتب على فرط الاستثارة، لذلك فإن العمل الرتيب الخالي من الإثارة والتنوع والتحدي يؤدي إلى الضغط والاحتراق النفسي، فالكثير يأتون إلى عملهم متوقعين الكثير، فهم يريدون زملاء مساندين، وعملاء يعترفون بالجميل، ويقدرون جهودهم، وعملاً مثيراً ومشوقاً، وبنفس الوقت يريدون راتباً كافياً وفرصاً للترقية والتطور الوظيفي، وهؤلاء غالباً ما يصابون بخيبة الأمل، ومع أن درجة الرضا الوظيفي المنخفضة ليست هي الاحتراق إلاّ أنها تمثل تحذيراً لما سيأتي.

الفرضية الثالث:

إنّ للمناخ الوظيفي في المؤسسة والتركيبة الوظيفية فيها، الأثر الأكبر في عملية الاحتراق النفسي المستمر في العمل ، وهنا تبرز أهمية دور القيادة والإشراف، حيث يميل الإداريون في مؤسسات الخدمات الإنسانية كالمستشفيات، ومراكز الخدمة الاجتماعية، والمدارس إلى افتراض مفاده أن المؤسسة يجب أن تركز فقط على حاجات المستفيدين من خدماتها وإهمال حاجات القائمين بالمسؤولية فيها. كما أنها تخلق تركيبة إدارية وظيفية وأسلوب تحكّم من أجل محاسبة العاملين إذا ما خرجوا عن الخط المرسوم، الأمر الذي يؤدي إلى خلق أنظمة إشرافية استبدادية وصراعات بين العاملين والإدارة وتزايد المسافة بينهم، ويضاف إلى أن ظاهرة الاحتراق النفسي هي ظاهرة معدية ففي أي موقع عمل فيه الأغلبية في حالة (الاحتراق النفسي) فإن نسبة حدوثه لأي عضو جديد في العمل تكون نسبة عالية.

أعراض الاحتراق النفسي:

قد يحدث في كثيرٍ من الأحيان أن تكون أعراض الاحتراق النفسي واضحة وقد تعزى إلى ضغوط موقفية أخرى، وإلى تغيرات حياتية مختلفة، غير أن الفحص الدقيق يكشف عن أن هناك ثلاثة جوانب للاحتراق النفسي .


أ- الإنهاك الجسدي:

ويتميز هذا الجانب بالتعب وتوتر العضلات ، والتغير في عادات الأكل والنوم وانخفاض مستوى الطاقة بشكل عام، ولعل العرض الأول الذي يسترعي الانتباه هو وعكة صحية عامة وتعني السأم بدون سبب ظاهر.


ب- الإنهاك الانفعالي:

ويتم التعبير عنه بأنه شعور بالإحباط واليأس والعجز والاكتئاب والحزن والتبلد تجاه العمل ، ويعبر الأفراد عنه بأن صبرهم نفذ ويظهرون شعوراً متكرراً بالاستثارة والغضب بدون سبب محدد، تكون الطامة الكبرى عندما لا يبالون بأي جانب من حياتهم المهنية التي كانت مهمة جداً بالنسبة لهم.

ج- الإنهاك العقلي:

يشكو الأفراد الذين يعانون من الاحتراق النفسي من عدم الرضا عن أنفسهم وعن مهنهم وحياتهم بشكل عام، ويشعرون بعدم الكفاءة وعدم الفعالية والدونية، حتى لو لم يكن لديهم أيّ من هذه الحقائق، ومع مرور الوقت ينظر هؤلاء الأفراد إلى الآخرين(المرضى،العملاء،الزبائن، الزملاء، الأهل) على أنهم مصدر للإثارة والمشكلات ويميلون أيضاً إلى الاعتقاد بأنّ هناك شيئا ما خطأ في أنفسهم لأن العمل الذي كان يعطيهم المتعة أصبح سطحياً ومملاً ومن ثم يشعرون بلوم الذات وتأنيب الضمير.

مراحل الاحتراق النفسي:

تشير البحوث والدراسات الخاصة بأن الاحتراق النفسي يتطور في ثلاث مراحل، وهي على النحو التالي:

أ- مرحلة الإجهاد الانفعالي: تنشأ هذه المرحلة نتيجةً لضغوط العمل وسوء العلاقات الشخصية، وذلك أن الفرد الذي يلتحق بمهنة معينة وهو على درجة عالية من الحماس والمثالية والتفاؤل تجاه مهنته، قد يشعر بالرغبة في ترك العمل كرد فعل طبيعي لازدياد حجم العمل عن الحدّ الذي يفوق طاقته.

ب- مرحلة التجرد من الخواص الشخصية: في هذه المرحلة يحاول الفرد المنهك انفعالياً والمجهد عصبياً، أن يواجه الضغوط النفسية الناجمة عن العمل من خلال النزوع إلى السلبية تجاه الآخرين.

ج- مرحلة عدم الرضا عن الإنجازات الشخصية: يصبح الفرد في هذه المرحلة غير راضٍ وغير مقتنع بأداءه المهني وإنجازاته، وبعد سنوات قليلة يصل هذا الفرد إلى القناعة بأنه لم يكن في مستوى التوقعات والمثل العليا التي نصبها هدفاً له.

الخـلاصـة:

يعتبر الاحتراق النفسي إضطراب حديث الظهور يهدد كل الأفراد العاملين بالمهن التي تقوم على تقديم المساعدة والخدمات الإنسانية للآخرين، وهو وليد المعاناة التي يفرضها واقع العمل في يومنا هذا، كما أنه يمكن أن يكون بمثابة بوابة يدخل من خلالها الفرد في إضطرابات أخرى من مثل : الاكتئاب، القلق، الأمراض السيكوسوماتية...الخ، إلا أن عدم إدراجه بصفة رسمية ضمن التصنيفات الدولية للأمراض العقلية والنفسية لا يعني عدم وجوده كحالة مرضية ذات جدول عيادي محدد، فمن خلال الممارسة العيادية كثيراً ما نجد صعوبة في تجاهل هذه الحالة المرضية غير المعترف بها، ففي حال ظهور كل الأعراض التي تنتمي إلى جدول الإحتراق النفسي لا يكون لدينا أي سبب حقيقي يمنعنا بشكل أو بآخر من إعتماد تصنيف هذه الحالة كحالة إحتراق نفسي، فالأخصائي العيادي يعتمد بالدرجة الأولى على الممارسة العيادية كمرجعية تصنيفية.

الخـاتمة:

هل يمكن تجاوز التوقف؟

نعم. لابد أولاً من الاعتراف بالمشكلة، ومعرفة الضغوطات التي يتعرض لها الفرد. فقد تكون هناك جوانب من العمل لا تمتعه أو ربما يعمل فوق طاقته أو أشياء أخرى يجدها في داخله.

علاجات اليوم كلها تعتمد على روح الإنسان وداخله، لذا لا بدّ من العودة إلى الداخل لتصفية الحساب معه، فليس وسام شرف للفرد أن يعمل عشرين ساعة في اليوم مثلاً كما أنه ليس وسام شرف أيضاً أن يلاحقه عمله إلى المنزل ولا يستطيع الفصل بين الحياة الخاصة والعمل (علينا أن نصنع لحياتنا روتيناً يومياً، ولا بد أن يكون ضمن روتيننا هذا أخذ حاجتنا من النوم).

إن من أهم العوامل التي تساعد على التخفيف من هذه المشكلة هو معرفة النفس واقامة علاقات متوازنة مع الأسرة والأصدقاء.

لا بدّ من استعادة التوازن الداخلي واعتبار المصالح الشخصية في أولوية الخيارات.

إذا كان صوت الهاتف يزعجك في المساء اقفله.

أعط لنفسك حقها دون السؤال عما حدث في الأمس أو اليوم.

أحياناً تأخذنا المتاعب والسعي دون أن ندري فنصل إلى مرحلة ننتبه أننا خرجنا عن المألوف لدينا. نقف لنقول لأنفسنا: كفى، إلى أين؟ في تلك اللحظة يكون الإنذار الداخلي قد تلقيناه وسمعناه.

لكن في بعض الأحيان يتكرر ذلك الإنذار ولا نعيره انتباهاً بل نمضي فيما نحن فيه، فإذ بصلاحيتنا تنتهي لأننا ورقة احترقت. لماذا يحدث هذا؟ نحن نحرق أنفسنا بإرادتنا. لنراجع أنفسنا في كل يوم لعدة دقائق. لنتأمل مبتعدين عن هموم الحياة. لنسترخي في وقت راحتنا، ولا نشعل فتيل البحث عن المستحيل، كي لا نحترق. وحتى عند البحث عن الذات والأهداف المشروعة، لا بد أن نتعامل معها بهدوء كي نستمر.

 

الاتصال بالهيئة الصحية

الهيئة الصحية الإسلامية

الادارة العامة - بيروت

بئر العبد - الشارع الرئيسي - سنتر مهنّا

تلفون:  273390-1-961 / 273389-1-961 / 273409-1-961

فاكس:  273410-1-961

العنوان البريدي: hayaa@hayaa.org

ص.ب.:  376/25

من اهداف الجمعية

  • خدمة المستضعفين والمحرومين في مناطق الفقيرة والنائية
  • تبني القضايا الصحية والبيئية الملحة
  • تأمين الخدمات الصحية والاستشفائية للمواطنين
  • المساهمة في رفع مستوى الوعي الصحي والبيئي لدى المواطنين كافة
  • المساهمة في بلورة سياسة صحية وبيئية واضحة
  • المساهمة في صياغة تجربة صحية مرتكزة على القيم الإسلامية