| الداية، البداية وأصل الحكاية" |
|
|
|
"الله يبعث لها الخير، صارت بدار الحق، لقد أنجبت خمسة أولاد على يد الحاجة عبدة، وكانوا بصحة جيدة، ولولاها الله اعلم ماذا كان يمكن أن يحصل معي" هذا ما قالته أم نضال لدى سؤالنا إياها عن الداية. أما أم محمد فقد أجابتنا بحسرة وأسى: "الله يسامح اللي كانوا السبب، خسرت ثلاثة أولاد بسبب الداية، الله يسامحها...". آراء تتناقض بين "مع وضد الداية" فما هو أصل الحكاية... "الداية اسم ارتبط بتاريخ حياة، مهنة تعلقت فيها ارواح البشر. فمن منا لم تطالعه أخبارها وقصصها المفرحة والمحزنة. أو ليس عدد كبير منا قد ولُد على يد "الداية" ، وأصبح يناديها بالجدة؟. فمن هي هذه المرأة وما هو تاريخها؟ "الداية" أو "الجدة" هي المرأة التي ترعى الحوامل، وتشرف على الولادة، وتشارك العائلة فرحة المولود. الداية غالباً ما تكون غير متعلمة، متقدمة في السن (تجاوزت سن الإنجاب)، وسبق لها أن خبرت تربية الأطفال، وقد نجدها أحياناً أساساً متيناً في المناسبات الإجتماعية وأحياناً أخرى بارعة في المداواة بالأعشاب أو متمرسة في التطبيب الروحاني. إن اختيار الداية غالباً ما يجمع عليه نسوة القرية ، مما يعزز مكانتها واحترامها بين أهلها. وهي إمرأة تتصف بالنشاط وتوحي بالاطمئنان والرحمة، وهذا ما يكسبها صفة القبول والمحبة، وأن تكون صلة وصل بين الأهالي والجهات الصحية في عصرنا هذا. وبالرغم من المشاكل التي كانت تواجه الداية في عملها، من وفيات في النسوة والأطفال، نظراً لعدم إكتسابها للخبرات التعليمية اللازمة فإننا لا نستطيع إنكار ثقلها الاجتماعي الذي يضاهي وجاهات القرية، فهي صاحبة اليد الطولى في حل قضايا مجتمعها وهي المكلفة، بحكم خبرتها وصفاتها، أن تخفف من وطأة الصدمة على الزوج إن كانت المولودة بنتاً، وذلك من خلال كلامها المتزن والمطمئن، أما إذا كان المولود ذكراً فهي تسارع بتبشير والد الطفل وتأخذ منه الأجر المادي الذي يتناسب مع حجم فرحته ووضعه المادي والاجتماعي. أدوات عمل الداية: رغم الإمكانات التي تكاد تنعدم لدى الداية، ورغم أن أدواتها لا تتعدى أن تكون مقصاً وخيطاً إلا أن النساء سرعان ما يلجأن إليها عند حدوث أي طارىء. أما ما يسمى بكرسي الداية فهو أهم أدوات الولادة، وهو عبارة عن كرسي خشبي يشبه كرسي الجلوس، وله مسندان على الجانبين، وثقب في الوسط تجلس عليه المرأة أثناء المخاض حتى تتم عملية الولادة.
إمكانات الداية: إن كل ما تسلمته الداية من خبرة وعلم لا يعدو أن يكون غرثاً "عهدة" تسلمته من الجدات والأمهات لتحملها بدورها إلى بناتها وحفيداتها، هذه هي مقومات (الداية) أما ما عدا ذلك فيترك لمشيئة القدر. والمرأة الحامل في هذا كله لا حول ولا قوة لها، تخضع لأوامر دايتها دون جدال أو نقاش، وإن عرضها ذلك للخطر نتيجة سوء المعرفة، وحدود الخبرة الضيقة، فكم من حالات وفاة حدثت وسجلت ضد مجهول، والقضاء والقدر هو المتهم الوحيد بينما يخرج الجهل بريئاً من جميع آثامه، وكم من الأطفال ولدوا مشوّهين لعدم الدراية بما قد يحتاجه الطفل من إنعاش وعناية خاصة. عادات وتقاليد: التحنيك، الإحتفاظ بالسرة، تكحيل وقطر العين بعصير الليمون ... هي عادات انتشرت في فترة شيوع الدايات. فالتحنيك مثلاً هو أن تضع الداية إصبعها في فم المولود وتمرره يمنة ويسرة عدة مرات ثم تردد دعاء تقول فيه:"اللهم اجعله من أهل الفصاحة" وعادة يتم التحنيك في اليوم الأول من الولادة طبعاً بعد غسل المولود وإلباسه. رغم كل ما قيل ويقال لا يمكننا إلا أن نعترف للداية بالجميل فهي تحملت المسؤولية يوم كانت مجتمعاتنا بأمسّ الحاجة لها .. زينب صباغ
|

